عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

307

الذيل على طبقات الحنابلة

ولا تقعر ، ولا تعظم في مشيته ولا تبختر ، ولا شطط في ملبسه ولا تكثر ، ومع هذا فكانت له صدور المجالس والمحافل ، وإلى قوله المنتهي في الفصل بن العشائر والقبائل ، مع ما أمده اللّه عليه من سعة العلم ، وفطره عليه من الرأفة والحلم . وكان لا يوفر جانبه عمن قصده ، قريباً كان أو أجنبياً . ولا يدخر شفاعته عمن اعتمده ، مسلماً كان أو ذمياً . ينتاب بابه الأمراء والملوك . فيساوي في إقباله عليهم بين المالك والملوك . ولي الشيخ قضاء القضاة في جمادى الأولى سنة أربع وستين على كره منه . وكان الشيخ رحمه اللّه رحمة على المسلمين ، ولولاه لراحت أملاك الناس لما تعوض إليها السلطان . فقام فيها قيام المؤمنين وأثبتها لهم . وعاداه جماعة الحكام ، وعملوا في حقه المجهود . وتحدثوا فيه بما لا يليق . ونصره اللّه عليهم بحسن نيته . ويكفيه هذا عند الله . وقال البرزالي في تاريخه : كان الشيخ شيخ الوقت ، وبركة العصر . ولي الحكم والخطابة ، والمشيخة والتدريس مدة طويلة ، ومراده خطابة الجبل ومشيخة دار الحديث الأشرفية به . وقال اليونيني في تاريخه : شيخ الإِسلام ، علماً وزهداً وورعاً ، وديانة وأمانة ، كبير القدر ، جم الفضائل . انتهت إليه الرياسة في الفقه على مذهب الإِمام أحمد ، وشرح كتاب " المقنع " لعمه الشيخ موفق الدين ، وإن كان معظم الشج مأخوذ من كلام عمه . وكان له اليد الطولى في معرفة الحديث ، والأصول والنحو وغير ذلك من العلوم الشرعية ، مع العبادة الكثيرة ، والتواضع واللطف بكرم الأخلاق ، ولين الجانب ، والإِحسان إلى القريب والبعيد ، والاحتمال . وولي قضاء القضاة مكرهاً . وباشر ذلك مدة . ثم عزل نفسه ، وامتنع من الحكم ، وبقي متوفراً على العبادة والتدريس ، وإشغال الطلبة والتصنيف . وكان أوحد زمانه في تعدد الفضائل ، والتفرد بالمحامد ، ولم يكن له نظير في خُلقه ورياضته . وما هو عليه ،